الشنقيطي

282

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقد اختلف أهل البيان في هذه الآية ، فبعضهم يقول : فيها استعارة مجرّدة ؛ يعنون أنها جيء فيها بما يلائم المستعار له . وذلك في زعمهم أنه استعار اللّباس لما غشيهم من بعض الحوادث كالجوع والخوف ، بجامع اشتماله عليهم كاشتمال اللّباس على اللّابس على سبيل الاستعارة التّصريحيّة الأصليّة التّحقيقيّة ، ثم ذكر الوصف ، الّذي هو الإذاقة ملائما للمستعار له ، الذي هو الجوع والخوف ؛ لأن إطلاق الذّوق على وجدان الجوع والخوف جر عندهم مجر الحقيقة لكثرة الاستعمال ؛ فيقولون : ذاق البؤس والضّرّ ، وأذاقه غيره إيّاهما . فكانت الاستعارة مجرّدة لذكر ما يلائم المستعار له ، الّذي هو المشبّه في الأصل في التّشبيه الّذي هو أصل الاستعارة . ولو أريد ترشيح هذه الاستعارة في زعمهم لقيل : فكساها ؛ لأنّ الإتيان بما يلائم المستعار منه الذي هو المشبّه به في التّشبيه الّذي هو أصل الاستعارة يسّمى « ترشيحا » والكسوة تلائم اللّباس ، فذكرها ترشيح للاستعارة . قالوا : وإن كانت الاستعارة المرشّحة أبلغ من المجرّدة ، فتجريد الاستعارة في الآية أبلغ ؛ من حيث إنّه روعي المستعار له الّذي هو الخوف والجوع ، وبذكر الإذاقة المناسبة لذلك ليزداد الكلام وضوحا . وقال بعضهم : هي استعارة مبنيّة على استعارة ؛ فإنّه أوّلا استعار لما يظهر على أبدانهم من الاصفرار والذّبول والنّحول اسم اللّباس ، بجامع الإحاطة بالشّيء والاشتمال عليه ، فصار اسم اللّباس مستعارا لآثار الجوع والخوف على أبدانهم ، ثمّ استعار اسم الإذاقة لما يجدونه من ألم ذلك الجوع والخوف ، المعبر عنه باللباس ، بجامع التّعرّف والاختبار في كل من الذّوق بالفم ، ووجود الألم من الجوع والخوف ؛ وعليه ففي اللّباس استعارة أصليّة كما ذكرنا . وفي الإذاقة المستعارة لمس ألم الجوع ، والخوف استعارة تبعيّة . وقد ألممنا هنا بطرف قليل من كلام البيانييّن هنا ليفهم النّاظر مرادهم ، مع أن التّحقيق الّذي لا شكّ فيه : أنّ كلّ ذلك لا فائدة فيه ، ولا طائل تحته ، وأنّ العرب تطلق الإذاقة على الذّوق وعلى غيره من وجود الألم واللّذة ، وأنّها تطلق اللّباس على المعروف ، وتطلقه على غيره مما فيه معنى اللّباس من الاشتمال ؛ كقوله : هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ ، وقول الأعشى : إذا ما الضّجيع ثنى عطفها * تثنّت عليه فكانت لباسا وكلها أساليب عربيّة . ولا إشكال في أنّه إذا أطلق اللّباس على مؤثّر مؤلم يحيط بالشّخص إحاطة اللّباس ، فلا مانع من إيقاع الإذاقة على ذلك الألم المحيط المعبّر باسم اللّباس . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [ 116 ] .